القرطبي

368

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

نحا ابن مسعود ، وهو قول أكثر الناس ، وعلى هذا تكون البطشة واللزام شيئا واحدا . قال ابن مسعود : البطشة الكبرى وقعة بدر . وقيل : هي يوم القيامة ، وأصل البطش : الأخذ بشدة وقع الألم . واللزام في اللغة : الفصل في القضية ، وفسّره ابن مسعود بأن ذلك كان يوم بدر ، وهو يوم البطشة الكبرى في قوله أيضا . وقيل : إن اللزام هو المذكور في قوله تعالى : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً [ الفرقان : 77 ] وهو العذاب الدائم . وأما الدجال فيأتي ذكره في أبواب أخرى . وأما الدابة فهي التي قال اللّه تعالى : وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [ القصص : 82 ] . وذكر أهل التفسير : أنه خلق عظيم يخرج من صدع من الصفا ، لا يفوتها أحد ، فتسم المؤمن فتنير وجهه ويكتب بين عينيه مؤمن ، وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر ، وروي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن هذه الدابة هي الجساسة ، على ما يأتي ذكرها في خبر الدجال ، وروي عن ابن عباس أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة فاختطفه العقاب ، وسيأتي بيانها . وأما قوله : « وآخر ذلك نار تخرج من اليمن » وفي الرواية الأخرى : « من قعر عدن » وفي الرواية الأخرى : « من أرض الحجاز » ؛ قال القاضي عياض : فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس ، أو يكون ابتداء خروجهما من اليمن فظهورهما من الحجاز . قلت : أما النار التي تخرج من أرض الحجاز فقد خرجت على ما تقدم القول فيها ، وبقيت النار التي تسوق الناس إلى المحشر ، وهي التي تخرج من اليمن ، وقد مضى القول في الحشر ، ويأتي القول في طلوع الشمس من مغربها . فأما قول اللّه تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ فقد روي أن أهل مكة سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم آية ، فأراهم القمر منشقّا نصفين والجبل بينهما ، فقال : اشهدوا ثبت هذا في الصحيحين وغيرهما « 1 » . ومن العلماء من قال : إنه ينشق ، كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] أي : يأتي . قال الحليمي أبو عبد اللّه في كتاب « منهاج الدين » له : فإن كان هذا فقد أتى ، ورأيت ببخارى الهلال وهو ابن ليلتين منشقّا نصفين عرض كل واحد منهما كعرض القمر ليلة أربع أو خمس ، وما زلت أنظر إليهما حتى اتّصلا كما كانا ، ولكنهما في شكل واحد ، شكل أترجّة ولم أمل طرفي عنهما إلى أن غابت ، وكان معي ليلتئذ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6366 ) ومسلم ( 2800 ) .